سيرة بطل التّوحيد إبراهيم الخليل - الحلقة الثّامنة
محاكمة إبراهيم
بعد أن هشّمت يمين إبراهيم المباركة أصنام معبد بابل وبعد أن سمع القوم تهديدات إبراهيم لها من قبل صار القرار هو أن 📖 (قالوا فَأتوا بِهِ عَلى أَعيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُم يَشهَدونَ) ومثل البرق الخاطف وسط ظلام الليل كانت خيول السلطة ورجالات المعبد تبحث عن متّهم واحد فقط وسط العاصمة المزدحمة فتى اسمه إبراهيم.
ألقي القبض عليه بسهولة وحين أصبح الصباح وتجمهر الناس ليشهدوا تلك المحاكمة التأريخية التي خلّدها القرآن الكريم :
📖 (قالوا أَأَنتَ فَعَلتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبراهيمُ)؟
➖ أجابهم بطل التّوحيد جواباً صاعقاً 📖 (قالَ بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا) أي كبير الأصنام الذي لم يُهشّم هو الذي هشّم بقيّة الأصنام الأخرى والدليل القطعي على هذا القول هو 📖 (فَاسأَلوهُم إِن كانوا يَنطِقونَ)!
زادت حيرة القوم وصار الإحراج سيّد الموقف وأصبح العلماء يمسحون حبّات العرق من على وجوههم لكثرة الخجل الذي لا يحسدهم عليه أحد، 📖 (فَرَجَعوا إِلى أَنفُسِهِم) وصارت الهمهمة والهمس صبغة الموقف (فَقالوا إِنَّكُم أَنتُمُ الظّالِمونَ) فالجميع يعلم أنّ هذا الصنم الكبير لا يجلب نفعا ولا يدفع ضراً ولو كان فيه ذرة فائدة لدفعها عن بقية الأصنام بل عن نفسه والفأس معلق أعلى رأسه (ثُمَّ نُكِسوا عَلى رُءوسِهِم) وقالوا بحسرة وألم وسط ذهول الناس (لَقَد عَلِمتَ ما هؤُلاءِ يَنطِقونَ).
في مثل هذه المواقف تكون الشبكة جاهزة للصيد وعلى الصياد الماهر أن يكون دقيقا في عمله وهو ما كان مع إبراهيم فحين اعترف كهنة معبد العاصمة بعجز الآلهة أمام جمهورهم عن مجرد النطق فضلا عن النفع والضرّ 📖 (قالَ أَفَتَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم)؟ وما هو المرتجى من صنم لا قيمة له ولا اعتبار (أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ أَفَلا تَعقِلونَ) وليردّ عليّ أحدكم بمنطق علم وإلا فالجهل حاكم عليكم والشيطان مستخفّ بكم وأنا بريء منكم.
لم يمتلك القوم بعد أن فشلوا في ردّ الحجة بالحجة إلا أن يعمدوا لخطة مواجهة أخرى بينهم – وهم أعداد هائلة بيدهم سلطة جائرة تحكم بالحديد والنار – وبين فتى يتيم الأبوين قليل الأنصار لا يمتلك إلا قلباً شجاعاً تخشاه قلوب الأسود والنمور.
اجتمع كهنة المعبد مع رجالات السلطة للخروج بقرار صارم حازم سريع يضع الأمور في نصابها الأول، فالجميع متفق أنّ حجج إبراهيم لا يمكن ردها علمياً لذا علينا وضع حدّ له ولمن يفكر مثله بعقوبة صارمة جازمة لا ينمحي ذكرها إلى يوم القيامة.
صاح أحدهم نذبحه، وصاح الآخر بل نرجمه، وقال ثالث : بل نطعمه للحيوات الكاسرة، ولكنّ الشيطان الرجيم وقف وسطهم متنكرا بزيّ رجل منهم وصاح بل (حَرِّقوهُ وَانصُروا آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فاعِلينَ) نعم وليكن إحراقه أمام الناس، ساد الصمت برهة فالفكرة جديدة ومرعبة ثم صار القرار إجماعا هو أن يُحرق دفاعاً عن الآلهة العاجزة عن حماية نفسها فضلا عن حماية غيرها.
ثمّ ماذا حصل بعدها؟ وكيف وأين أشعلت النار؟ وكيف سيلقون إبراهيم فيها وهي عملاقة؟ سنعرف هذا في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.